أقلام الثورة قبل 3 أسابيعلا توجد تعليقات
"السعودية" تكشف عن الآمر بقتل "خاشقجي" وتطالب بإعدام 5 أشخاص
"السعودية" تكشف عن الآمر بقتل "خاشقجي" وتطالب بإعدام 5 أشخاص
الكاتب: عمر الحداد

ما الذي يمكن لنا كإسلاميين أن نتعلمه من قصة اغتيال “خاشقجي“؟

1طبيعة الصراع

يتصور كثيرون, سواء في الطرف الإسلامي أو حتى العلماني, أن المشكلة والصراع الدائر الآن في البلاد العربية هو صراع بين الحق والباطل (من منظور ديني), أو بين الإسلام والكفر. وهذا التصور, بالإضافة لكونه خارج التاريخ, وخارج طبيعة الزمان والمكان, إلا أنه يجبر صاحبه على التحالف مع قوى هي في الأصل معادية له, ويمنع صاحبه من التحالف مع قوى من المهم بل ومن الضروري التحالف معها.

الصراع هو في جوهره بين طرفين, طرف يريد للشعوب أن تعيش في حرية وديمقراطية وعدالة ومساواة, وطرف يرفض هذا.

كلا الطرفين فيه إسلاميون وعلمانيون, كلا الطرفين فيه أذكياء ومخدوعون, وكلا الطرفين يحسب أنه الحق أو الأقرب للحق..

خاشقجي الذي كان أخف كثيرا في نقده للحكومة السعودية من كثير من المشايخ (سفر الحوالي رحمه الله مثلا) قتل بطريقة وحشية, بينما سفر الحوالي نفسه ظل في السجن ولم يتعرض لهذه البشاعة.اغتيال "خاشقجي".. دروس وعبر خاشقجي

فالمسألة ليست أن كون فلان أقرب للدين (أو لما يتصور عموم الإسلاميين أنه الدين) تعني بالضرورة أنه أقرب للحق, ومن يتذكر شيماء الصباغ, وحازم عبد العظيم, والرئيس المنصف المرزوقي وغيرهم كثيرون…

كل هؤلاء هم ممن يعتبره الإسلاميون عدوا, أو “الطرف المقابل”… ومع هذا انحازوا للحق ورفضوا الظلم, ودفعوا جميعا ثمن هذا … خاشقجي الذي يبكيه الإسلاميون الآن هو من هذا “الطرف المقابل”… وحتى قبل إعلان مقتله بقليل, كان كثيرون ينشرون كلاماً له يدل على كونه من الطرف المقابل وأنه لا يستحق الاهتمام والحفاوة التي يحظى بها… وهو دليل أن كثيرين في المعسكر الذي يفترض أنه مؤيد للديمقراطية وحق الشعوب… كثيرون في هذا المعسكر لا يرون الصراع على حقيقته, وبالتالي تغيب عنهم الصورة الكبرى, وهو ما يؤدي لكثير من المشاكل والمصائب التي تستمر في الحدوث ولا نستطيع منعها, ليس لأننا لا نستطيع ولكن لقناعات عندنا تجعلنا “لا نريد”

2 دية الضحية

يقول المثل المصري الشهير “اللي تجيب ديته اقتله”… وهذا المثل ينطبق جدا على وضعنا الحالي… فلو عقدنا مقارنة, ماذا كانت دية عدة آلاف من الإسلاميين قتلهم السيسي؟ شوية سلاح من أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا وتحسين العلاقات مع إسرائيل… وانتهى الأمر ونسيت المسألة برمتها… أما في حالة خاشقجي، فالأمر مختلف.

لماذا هو مختلف؟ هناك أسباب كثيرة جداً لهذا, أسباب ترجع لطبيعة الشخص نفسه, فأغلب ضحايا رابعة, حتى من كانوا معروفين بينهم, كانوا معرفين في مجالات معينة, كالهندسة والحاسبات والطب وغيرها. لكنهم لم يكونوا من ذوي الشهرة في المجالات ذات التأثير المباشر, كالصحافة والفكر والفن…
خاشقجي, على العكس من هذا, صحفي معروف ومرموق, له توجه فكري واضح, ويكتب بنفس اللغة التي يتحدث بها السياسيون الغربيون, الديمقراطية والمساواة والارتقاء بالمواطن… مما جعل حديثه ليس فقط منطقيا ومقبولا عندهم, بل جعله أحد أهم الكتاب المسلمين في الصحافة الغربية, ولا أحسب كاتباً مسلماً وصل لمثل هذه المكانة غير فريد زكريا.

ورغم الفكرة المنتشرة بين عامة المسلمين, والإسلاميين خصوصاً, أن الفكر والصحافة وغيرها من العلوم الإنسانية ليست ذات أهمية, إلا أن الحقيقة أننا باستمرار عندنا عجز كبير في هذا المجال تحديداً.

تخيل لو أن صحفياً أمريكياً مسلماً له مكانة مماثلة لخاشقجي لهذا كان قد أصيب في رابعة… طبعا حينها كان الأمر سيختلف تماماً…

تظل مشكلتنا دائما مستمرة, نحسب أن تحقيق الانتصارات هو في المجالات العلمية والتقنية, وهو حقيقي وهام, لكن الأهم منه هو أن تكون لنا فلسفتنا, وفكرنا, ومنهجنا.

ولا أعني بالفلسفة هنا كلاما ككلام المشايخ والعلماء, بل أعني كلاما ككلام خاشقجي رحمه الله, أفكار لا تصطدم بما يريده العالم, بل تعطي عنا صورة صحيحة, وتعبر بالفعل عما يريده عما المسلمين, لا عما تريده التيارات الإسلامية من المسلمين … حين يكون عندنا عشرات كخاشقجي, حينها سيتغير الحال …

3فكر الشعوب

ما الذي كنت تتوقع أن يقوله “أردوغان” في خطابه؟ كثيرون منا ظنوا أن الرجل سيتحدث على طريقة جمال عبد الناصر في خطاباته, كلمات واضحة ولا جدال, ولا حل إلا بالقصاص… ونسي الإخوة عدداً من الحقائق الهامة:

أولها أن التحقيقات لا زالت مستمرة, ثانيها أن الدول لا تتصادم ببعضها على طريقة الدب الداشر، والأهم من هذا, كيف تتوقع من رئيس يحبس في سجونه حوالي 150 صحفياً (والعدد أكثر من هذا وفق مصادر أخرى) أن يخرج بقده وقديده مدافعا عن صحفي قتل؟

صحيح أن الرئيس “أردوغان” له مبادئ وخلفية وأخلاقيات وكذا… لكن لو عند حضرتك علم بالسياسة مثلاً, ستعلم أن مصر كانت تقرض الأموال لانجلترا التي كانت تحتلها… ستقول لي انجلترا كانت محتلة مصر وكان ممكن تاخد الفلوس بالقوة؟

ممكن, لكن ماذا تقول في شأن بيل جيتس مثلاً الذي أقرض شركة آبل (منافسه اللدود) مبلغ 150 مليون دولاراً حين كانت على وشك الإفلاس؟ هذه حادثة حقيقية حدثت عام 1997…

وماذا تقول في شأن الرئيس “بوش” الأب الذي أقرض مليارات لروسيا عدوه اللدود بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؟

خلافات السياسة لا تحل بطريقة حل النزاعات الشخصية, كل واحد يجيب سيف ويقطع الثاني… هذه الخلافات تحل بهدوء, ومهما كان حجم الخلاف مع الطرف المقابل, ففي عز أيام الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة تبيع القمح لعدوها اللدود الاتحاد السوفيتي, بالأسعار الدولية وبدون زيادة في السعر… ودول كان بينهم حرب كادت أن تصل للسلاح…

فرجاء أن نرى الأمور بحجمها, “أردوغان” يسعى لمصلحة بلده ويلعب في حدود الممكن, فالصدمة التي حدثت لكثيرين بعد خطابه معناها أن بيننا وبين استيعاب طبيعة اللعبة مسافة كبيرة ..

4– وماذا بشأن الثورة على الظلم؟

نعلم يقيناً أن نهاية المرحلة الحالية في كل الدول العربية ستكون بثورة طاحنة, وهذه هي طبيعة الثورات دائما, تنتصر الثورة في مرحلة (الربيع العربي), ثم تنتصر الثورات المضادة, ثم تعود الثورة مرة أخرى أكثر وعياً وأشد نضجاً وأكثر قدرة على حسم خياراتها… هذا ما ينتظره الجميع.

اغتيال “خاشقجي” رحمه الله وضعنا أمام حقيقة أن الحكومات الظالمة لا تفرق بين إسلامي وعلماني, فكل ما شكل خطراً أو عرض رأياً مخالفاً مصيره الموت لا محالة, أو السجن, أو منعه من الحديث بأي وسيلة كانت …

هذه حقيقة الموقف, والسؤال هنا, هل آن الأوان أن نضع خلافاتنا جانباً؟ منذ اليوم الأول للثورة، وضع المجلس العسكري لعبة الاستفتاء, وفي تونس مورست نفس اللعبة… في مصر بلع الإسلاميون الطعم وعرضوا الصراع على أنه الإسلام في مواجهة العلمانية, بينما في تونس تنبه الإسلاميون إلى أين سيؤدي هذا المسار, والنتيجة انهيار شامل في مصر, بينما العملية الديمقراطية تترسخ وإن ببطء في تونس …

هدفنا جميعاً يجب أن يكون قهر الظلم وإقامة العدل, وإعطاء كل ذي حق حقه … لو قمنا بهذا, لو أصبح هذا هدف كافة الثوار في الدول العربية, حينها وحينها فقط يمكن أن نصل لهذا الهدف, أما لو ظلت أهدافنا الأيديولوجية تتفوق في الأهمية عندنا على الأهداف الوطنية … فلن يحدث تقدم ولن تحل مشاكلنا, بل سنستمر في الانتقال من ظالم لأشد ظلماً…

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين… اللهم آمين.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم